محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

191

الآداب الشرعية والمنح المرعية

عن فعل ما أمر به ورسوله كان مذموما ومردودا عليه من تلك الجهة وإن كان محمودا من جهة أخرى . وأما المحبة له والتوكل عليه والإخلاص له فهذه كلها خير محض وهي محبوبة . ومن قال : إن هذه المقامات تكون للعامة دون الخاصة فقد غلط إن أراد خروج الخاصة عنها فإن هذا لا يخرج منها مؤمن قط ، إنما يخرج عنها الكافر والمنافق ، وذكر كلاما كثيرا ، وقال ابن عقيل في الفنون : العقلاء يعلمون أن الاحتراز لا يقدح في التوكل وإن دقيق الحيل من الأعداء يدفع بلطيف التحرز والمبالغة في التحفظ ، وروى الخلال في الجامع في آخر الجنائر عن سعيد بن المسيب أن سلمان الفارسي وعبد الله بن سلام رضي الله عنهما قال أحدهما لصاحبه : إن لقيت ربك فأخبرني ما لقيت وإن لقيته قبلك أخبرتك ، فذكر سعيد أن أحدهما توفي فلقي صاحبه في المنام فقال له الميت توكل وأبشر فإني ما رأيت مثل التوكل ، وروي فيه أيضا في التجارة والتكسب : أخبرنا محمد بن أحمد بن منصور قال : سأل المازني بشر بن الحارث عن التوكل فقال : المتوكل لا يتوكل على الله ليكفي ولو حلت هذه القصة في قلوب المتوكلة لضجوا إلى الله بالندم والتوبة ، ولكن المتوكل يحل بقلبه الكفاية من الله فيصدق الله عز وجل فيما ضمن . ولم يذكر الخلال ما يخالف كلام بشر لا من عنده ولا من عند غيره ، فبشر رحمه الله يقول : من توكل ليكفي لم يخلص التوكل لله فيقدح فيه ويكون لغير الله ، ونظيره من اتقى الله ليجعل الله له مخرجا ، ومن اتقى الله ليجعل له فرقانا ، ومن تواضع ليرتفع . ولهذا قال عليه السلام " 1 " : " وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله " ولهذا قال بعضهم لبعض : من تواضع ليرتفع : لا يرتفع بالتواضع أي لا يقصد هذا وهو نظير الكلام المشهور : من أخلص لله أربعين يوما نطق بالحكمة . وفعل بعض الناس له لينطق بالحكمة وإنه لم ينطق بها ، وسأله بعض المشايخ عن هذا فقال له : لم تخلص إنما فعلت هذا لأجل هذا ، وهذا الكلام " من أخلص لله " يروى عن مكحول عن النبي صلى الله عليه وسلم " 2 " مرسلا وسبق في فصول التوبة ما يتعلق بهذا وهو مذكور في الفقه في باب ما يبطل الصلاة . فصل التسليم لله في استجابة الدعاء وقضاء الحوائج قال ابن عقيل في الفنون : قد ندب الله إلى الدعاء وفيه معان : الوجود والغنى والسمع

--> ( 1 ) أخرجه مسلم ( 2588 ) عن أبي هريرة . ( 2 ) أخرجه ابن أبي شيبة ( 13 / 231 ) وهنا في الزهد ( 678 ) والحسين المروزي في زوائد الزهد ( ص 359 ) وغيرهم عن مكحول مرسلا . وورد موصولا ولا يصح . وانظر الضعيفة ( 38 ) .